عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
159
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
نزاع وخلاف ومراجعات في مسائل مشهورة نقلت عنهما . ولأبي القاسم كتاب كبير في الفقه نحو مائة وخمسين جزءا « 1 » . قال : ولما عاد بعد رحلته من المشرق إلى القيروان ركب البحر هو وأبو عبد اللّه المالكي ، فحين أشرفوا على مدينة صفاقس توفي أبو القاسم فأدخل المدينة فغسل وكفن وصلّى عليه في جميع كثير ، ثم حمل إلى القيروان ، فوصل إليها ليلة الخميس من صفر سنة ثمان وأربعمائة ، وكانت وفاته ليلة الاثنين لستّ بقين من صفر سنة ثمان وأربعمائة ودفن في داره . قلت : وداره هي اليوم خارج القيروان قبلتها ، وليس معه أحد ، وعلى قبره نور ما رأيته على قبر أحد رحمه اللّه تعالى . 273 - ومنهم أبو سعيد خلف بن محمد الخولاني : قال : قرأ على أبي محمد بن أبي زيد ، وزكرياء بن يحيى بن سلام جمع العلم ، والزّهد ، والقناعة ، والنّزاهة ، وكتم الفاقة وكان حافظا ، وكان رأس ماله مقصّا بنصف درهم ، وحلقة بربع ، وإبرة بخرّوبة ، وكان إذا خاط بدرهمين لا يخيط شيئا حتى ينفقهما في اثنين وثلاثين يوما ، كل يوم خرّوبة ، فإذا فرغ ذلك عاد فخاط كذلك بدرهمين ، ولو قيل له تخيط ثوبا بمائة دينار ، لم يفعل حتى تفرغ الدرهمان ، وكان يدرس الشهر كله ، وانصرف يوما من مجلس أبي محمد بن أبي زيد وعليه أطمار كأنّما نفشت « 2 » من القبور ، فنظر إليه أبو محمد وإلى ثيابه وسأل عنه فقيل له : واللّه ما يلبس هذه إلا يتجمل بها في الميعاد ، وأمّا ما يقطع به الأيام ففرو يساوي درهمين ، فبعث إليه أبو محمد بن أبي زيد بصرّة فيها خمسون دينارا ذهبا فأبى أن يقبلها على شدّة فقره وحاجته . وقال : إنّما قوتي كل يوم خروبة آخذا بها خبزا تصب عليه الوالدة مرق بقل أو ما تيسر وتهيّأ رحمه اللّه تعالى .
--> ( 1 ) الخبر في ترتيب المدارك : 4 / 707 . ( 2 ) نفشت : نفش ، نفشا ، نقول نفّش القطن أو الصوف : شعّثه وفرقه .